منوعات

مرض مراتي الاخيرة

خايف منها لما كنت مع هيام. كنت بفتكر لما صاحباتها سألوها في الفرح وإزاي أنا سيبتها وهربت، وكنت بدمع وأنا بسأل نفسي: “لو أنا خرجت دلوقتي وحد سألني.. مين هيقف جمبي ومين هيسندني؟”. الإجابة كانت دايماً: مفيش حد. أنا وحيد تماماً، وربنا حرمني من الست اللي كانت ممكن تشيلني في رمش عيونها لو العكس هو اللي حصل.
​البهاق بدأ ينتشر أكتر؛ ظهر في رقبتي وفي إيدي التانية. بقيت كل يوم الصبح أصحى أدور على بقعة جديدة، وكل بقعة بتظهر كانت بتاكل حتة من كبريائي وغروري القديم.

عرفت وقتها إن الجمال ده قشرة خارجية ملهاش أي قيمة، وإن الروح هي اللي بتدوم، بس بعد إيه؟ بعد ما خسرت كل حاجة.
​بعد حوالي ست شهور من العزلة التامة، وفقـ,ـدان الشغف في كل حاجة، تليفوني رن. كان المتصل هو صاحبي الانتيم، اللي كانت مراته صاحبة هيام. ردت عليه بصوت مجهد وتعبان

قال لي: “أحمد.. أنت فين يا ابني؟ بقالك شهور مختفي ومحدش عارف عنك حاجة، لدرجة إننا قلقنا عليك جداً. في إيه؟”.
حاولت أداري وقولتله: “مفيش.. شوية تعب وضغط في الشغل ومقضيها نوم”.
قال لي بصوت متردد: “طب.. أنا كنت عايز أقولك حاجة.. أنا عرفت إنك طلقت هيام من فترة.. بس كنت عايز أقولك إن هيام النهاردة بتفتتح الجاليري بتاعها، معرض الرسم اللي كانت بتحلم بيه طول عمرها. أصحابها كلهم رايحين يدعموها، وأنا قولت لازم أبلغك، جايز تحب تروح أو تصلح اللي انكسر”.
​أول ما سمعت اسم “هيام”، قلبي دق بسرعة. معرض رسم؟

هيام رجعت لحلمها؟
نزلت التليفون وأنا في حالة ذهول. أنا هنا بمـ,ـوت في ضلمتي، وهي قدرت تقوم وتقف على رجليها وتواجه الدنيا. حسيت برغبة عـ,ـارمة إني أشوفها.. مش عشان أرجع لها، لأني عارف إني مستاهلهاش، بس عشان أشوف إزاي قدرت تنتصر على الوجع اللي أنا سبتهولها.
​لبست قميص بكم طويل، وحطيت كاب على راسي ونزلت النضارة على عيني عشان أداري البقع اللي في وشي، وروحت على عنوان الجاليري.
وقفت بعيد، وسط الزحمة، ومستخبي ورا عمود إنارة في الشارع المقابل. كنت ببص من الإزاز الكبير بتاع القاعة.
​وجوا.. شوفتها!
كانت واقفة زي الملكة.

لابة فستان شيك جداً، ورافعة شعرها لفوق. البهاق كان انتشر في إيديها ورقبتها وحتت من وشها، بس الغريب.. إنها مكنتش حاطة أي مكياج يداريه! كانت سايبة بشرتها على طبيعتها، والبقع البيضا ممتزجة مع بشرتها وكأنها لوحة فنية مرسومة بعناية.
​ملامحها كانت بتشع ثقة وقوة، وضحكتها اللي وحشتني كانت منورة المكان كله. الناس كانت بتلف حواليها، بيباركوا لها ويبصوا لها بإعجاب وانبهار مش بشكل المرض، بل بشخصيتها ونجاحها وفنها.
في اللحظة دي، فهمت الجملة اللي الدكتور قالها زمان وملحقتش استوعبها.. هيام فعلاً كانت “لوحة فنية”، بس أنا اللي كنت أعمى ومش شايف غير القشرة.

هيام بمرضها كانت أجمل بمليون مرة مني وأنا بكامل صحتي وغروري.
​وفجأة، وهي بتلف وب تضحك مع الناس، عيونها جت ناحية الإزاز.. وبصت في اتجاهي.
أنا اتجمدت في مكاني. بالرغم من الكاب والنضارة والضلمة اللي كنت واقف فيها، حسيت إنها عرفتني. نزلت نضارتي ببطء، وبصيت لها.. وشوفت نظرة عيونها. مكنش فيها غل، ولا شـ,ـماتة، ولا حتى عتاب. كانت نظرة هادية جداً.. نظرة شخص اتخطى الوجـ,ـع وساب الماضي وراه ومبقاش يفرق معاه. بصت للبقع اللي في وشي برحمة وشقفه، وهزت راسها بابتسامة خفيفة ومكـ,ـسورة، ولفت ضهرها ورجعت تتكلم مع ضيوفها.

اللفة دي.. وظهرها اللي ادهولي، كان هو الإعلان الرسمي لنهاية أي أمل ليا في الحياة دي معاها. رجعت بيتي وأنا بعيط، بس المرة دي مكنش عياط خوف من المرض، كان عياط ندم على خسارة الجوهرة اللي كانت في إيدي ورميتها في التراب عشان مظاهر كدابة. دخلت الشقة، وشيلت الملايات اللي كانت مغطية المرايات كلها. وقفت قدام وشي المبرقش، وبصيت لنفسي بجرأة لأول مرة من شهور. قولت لنفسي: “ده شكلك الجديد يا أحمد.. وده درسك اللي هتعيش بيه لحد ما تمـ,ـوت. ربنا مبيظـ,ـلمش حد، واللي بيجـ,ـرح قلوب الناس بالظاهر، ربنا بيكـ,ـسر كبريائه بنفس السـ,ـلاح”.

من اليوم ده، قررت أخرج من ضلمتي. مش عشان أرجع زي زمان، لأ، عشان أتعلم أعيش حقيقتي الجديدة. نزلت شغلي، واجهت نظرات الناس كلها واستحملت أسئلتهم بقلب راضي صابر، وبقيت كل ما أبص لإيدي وللبقع اللي فيها، ببتسم وأقول: “سبحان المقتدر.. يمهل ولا يهمل”. وعرفت متأخر جداً، إن الجمال الحقيقي عمره ما كان في لون البشرة ولا في مظهر الهدوم.. الجمال هو نظافة الروح، والرحمة اللي بنعامل بيها

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى